تقرير: باسل محمود
في عالم يزداد فيه الاعتماد على التكنولوجيا يومًا بعد يوم، تحولت الهجمات السيبرانية إلى أحد أكبر المخاطر التي تهدد الاقتصادات العالمية، ومع تحول البيانات إلى \”المورد الطبيعي\” الجديد كما وصفتها الرئيسة التنفيذية لشركة IBM جيني روميتي، بات الأمن السيبراني ضرورة لا غنى عنها للمحافظة على استقرار الاقتصاد الرقمي، وحماية الأفراد والمؤسسات من هجمات مدمرة.
أظهرت تقارير حديثة أن الجرائم السيبرانية تُكبد الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات سنويًا مع تصاعد غير مسبوق للتهديدات، ووفقًا لتوقعات \”Cybersecurity Ventures\”، فإنّ تكاليف الجريمة السيبرانية قد تصل إلى 10.5 تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2025، مقارنة بـ3 تريليونات دولار فقط في 2015، مما يجعلها تفوق بكثير التكلفة السنوية للكوارث الطبيعية.
يُتوقع أن تتعرض التكلفة العالمية للجريمة السيبرانية في سوق الأمن السيبراني لزيادة مطردة بين عامي 2024 و2029، تُقَدَّر 6.4 تريليون دولار، ويُتوقع أيضًا أن تصل بعد أعوام من الزيادات المتتالية إلى 15.63 تريليون دولار في عام 2029، مما يشكل ذروة جديدة.
الأمن السيبراني والاقتصاد الأمريكي
الولايات المتحدة، باعتبارها الاقتصاد الأكبر في العالم، كانت دائمًا هدفًا رئيسًا للهجمات السيبرانية، وفي عام 2018 أعلن مسؤول في الـ FBI أن \”كل مواطن أمريكي يجب أن يتوقع أن تكون بياناته الشخصية قد سُرقت، وتُباع الآن على الويب المظلم\”. تفاقمت هذه المخاطر مع تزايد تعقيد الهجمات السيبرانية التي لم تعد مقتصرة على سرقة البيانات الشخصية أو المالية، بل أصبحت تستهدف البنى التحتية الحيوية.
في كتابه \”Lights Out\”، يصف تيد كوبل سيناريو كارثي، حيث يمكن لهجوم سيبراني على شبكة الكهرباء أن يغرق مدنًا بأكملها في الظلام، الأمر الذي قد يؤدي إلى فوضى شاملة وتهديد لحياة الملايين. ورغم تلك المخاوف، تبذل الولايات المتحدة جهودًا حثيثة لتعزيز أمنها السيبراني، وذلك من خلال تقديم إرشادات للأمن السيبراني عبر المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا.
الأخطر على الإطلاق
لم تعد الهجمات السيبرانية مقتصرةً على العصابات الإجرامية، فقد أصبحت جزءًا من الحروب الحديثة، فقد كانت عملية \”Stuxnet\” في 2010 واحدة من أشهر هذه الهجمات، حيث تعاونت الولايات المتحدة وإسرائيل على شن هجوم استهدف أجهزة الطرد المركزي في البرنامج النووي الإيراني. كما كان انفجار آلاف أجهزة الاستدعاء \”Pagers\” في أنحاء لبنان خلال شهر سبتمبر الجاري آخر هذه الهجمات، وقد أدى إلى مقتل المئات وإصابة الآلاف.
مثل هذه الهجمات تمثل تهديدًا جيوسياسيًا كبيرًا وتبرز دور الدول في تصعيد الحرب السيبرانية، فقد اتُّهمت إسرائيل بتدبير الهجوم الذي استهدف عناصر حزب الله، وتركزت النقاشات حول إمكانية تعرض سلسلة التوريد لهذه الأجهزة القديمة للتلاعب.
تعددت الأفكار السائدة حول هذا الموضوع؛ فقد افترض البعض أن البطاريات تم تصميمها بحيث ترتفع حرارتها إلى أن تنفجر الأجهزة، أو أن إشارة إلكترونية هي التي تسببت في الانفجارات.
وفي الآونة الأخيرة، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الهجمات الإلكترونية تضاعفت منذ جائحة كوفيد-19، حيث باتت التهديدات السيبرانية تشكل خطرًا متزايدًا على الاستقرار المالي العالمي، وهو يتوقع أن هذه الهجمات ستواصل النمو، خاصة مع زيادة تعقيد الأدوات المستخدمة فيها، وارتفاع عدد الجماعات المدعومة من قبل دول.
اقرأ أيضًا: هجمات الفدية تغزو العالم
تكاليف الأمن السيبراني
تشير التقديرات إلى أن الجريمة السيبرانية إذا تم قياسها على مستوى اقتصادات الدول، فإنها ستكون ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين. ومع تصاعد التهديدات، بات من الضروري على الحكومات والشركات أن تُعزز استثماراتها في مجال الأمن السيبراني، والذي يتوقع أن تصل قيمته إلى 260 مليار دولار بحلول 2026.
ورغم الجهود الكبيرة، إلا أن الكثير من الخبراء يؤكدون أن العامل البشري لا يزال يمثل الحلقة الأضعف في منظومة الأمن السيبراني؛ حيث إنّ الإهمال في اتباع ممارسات الأمان الأساسية مثل التحقق من رسائل البريد الإلكتروني المشبوهة أو استخدام كلمات مرور قوية يمكن أن يؤدي إلى اختراقات كارثية، لهذا فإنّ الشركات تحث على تدريب موظفيها باستمرار لتجنب الوقوع ضحية لهذه الهجمات.
خسائر أقل لكنها كارثية
قد يبدو أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الهجمات السيبرانية بدأت في التراجع مقارنة بالعقد الماضي، لكن الهجوم الروسي \”NotPetya\” في 2017، الذي استهدف أوكرانيا وانتشر عالميًا، أظهر أن بعض هذه الهجمات يمكن أن تتسبب في أضرار بمليارات الدولارات.
مستقبل الأمن السيبراني
مع استمرار تصاعد الهجمات السيبرانية، تجد الحكومات والشركات نفسها في سباق مع الزمن، فبينما تتجه بعض الدول إلى تعزيز تشريعاتها الأمنية، مثل المملكة المتحدة التي قدمت 10 خطوات نحو الأمن السيبراني، لا يزال العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة غير مستعدين لمواجهة هذا التحدي.
وفي الوقت الذي تتحسن فيه أنظمة الأمان، تستمر الهجمات في التحول والتعقيد، ويتوقع أن تكون تهديدات المستقبل أكبر وأخطر، مما يجعل الأمن السيبراني العامل الأهم لبقاء الشركات والحكومات في المستقبل القريب، ففي عالم يرتبط فيه كل شيء بالتكنولوجيا فإنّ الهجمات السيبرانية تمثل تهديدًا وجوديًا.
مع تزايد حجم البيانات والتقدم الرقمي، بات الأمن السيبراني ضروريًا للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والتكنولوجي، وبينما تبدو الخسائر الناجمة عن الهجمات السيبرانية في تراجع، إلا أن التهديدات لا تزال مستمرة، مما يجعل تحرك المؤسسات بسرعة لتعزيز دفاعاتها أمرًا ضروريًا.
اقرأ أيضًا: كيف أصابت “مايكروسوفت” و”CrowdStrike” العالم بالشلل في دقائق؟








